قبل أن تفكر في الأقساط أو المساحات أو الإطلالة، هناك سؤال أسبق منها كلها: هل هذا الإعلان صادر عن شخص يملك الوحدة فعلاً، ويستطيع أن يبيعها لك؟ كثير من الإعلانات العقارية تبدو مقنعة في صورها وأسعارها، لكنها لا تصمد أمام أسئلة بسيطة. والمشكلة لا تقع دائماً على من يحاول الاحتيال، بل كثيراً ما تقع على مشتري متعجل لم يجرّب أن يتحقق.
هذه المقالة لا تكرر ما سبق من حديث عن الثمن أو المدينة أو العقد، بل تركز على اختبار واحد متصل بالهوية: هل المتحدث هو صاحب الوحدة؟
الإعلان الذي يصلك من رقم مجهول، أو من حساب يعرض عدة وحدات في مدن مختلفة بصيغة واحدة، يحتاج إلى حذر إضافي. ليس كل وسيط مشبوهاً، فالوسطاء المعتمدون جزء من السوق. لكن الوسيط يبيع حقاً ليس له، أما المالك فيبيع حقه هو. لذلك فإن أول خطوة عملية أن تطلب التواصل مع الشخص الذي يظهر اسمه في العقد أو في السجل، لا مع من يدير الصفحة.
ولا يعني هذا أن تطالب بلقاء فوري بأي ثمن. يكفي أن تطرح سؤالاً محدداً: ما اسمك كما هو مكتوب في وثيقة الملكية؟ وهل يمكنك أن تبعث لي صورة منها أو رقمها؟ الشخص الصادق يجيب دون تردد، والمحتال يبدأ عادة بالتهرب أو بإلحاح على الدفع المسبق.
قد يكون المتحدث وكيلاً بالفعل، وهذا ممكن إذا كان لديه توكيل رسمي وواضح يتيح له البيع. هنا تتغير طريقة الفحص. اطلب نسخة من التوكيل، وانظر إلى نطاقه: هل يشمل البيع وقبض الثمن وتوقيع العقد النهائي؟ هل هو صادر لشخص محدد باسمه؟ وهل ما زال ساري المفعول؟ كثيراً ما تكون التوكيلات القديمة سبباً في تعطّل الصفقات، لأن الوكالة انتهت أو كانت محدودة بغرض آخر.
وإذا وجدت أن التوكيل قديم، أو أن الصلة بين الوكيل والمالك غير واضحة، فتوقف حتى تستوضح. لا تكتفي بكلام شفهي عن أن المالك "موافق" دون أن تراه أو تسمع منه.
بعد أن تعرف اسم المالك، قارنه بالوثائق المتاحة. الاسم المكتوب في عقد الملكية أو في سند التسجيل، إن أمكن الاطلاع عليه، يجب أن يطابق من يبيع. والفروق البسيطة في الكتابة، أو اختلاف الاسم عن الاسم المسجل، لا تُعد تفصيلاً صغيراً. اطلب من البائع أن يعرّف بنفسه بالهوية الرسمية، وأن يوقّع أمامك إن أمكن، لأن التوقيع في حضورك أقوى من أي صورة ترسل عبر الهاتف.
المالك الحقيقي يعرف وحدته. يستطيع أن يصف موقعها بدقة، وأن يذكر عمرها التقريبي، وأن يشرح سبب البيع، وأن يجيب عن أسئلة عن الصيانة أو الخدمات أو حالة العقد مع الجهة المطوّرة. أما الإعلان المصطنع فغالباً يجيب بعبارات عامة، ويعود دائماً إلى الحديث عن السعر والعجلة.
جرّب أن تسأل عن شيء يصعب تزويره: ما المستندات التي بحوزته؟ ومتى آخر مرة زار الوحدة؟ ومن كان يسكنها قبله؟ الإجابات المتماسكة لا تضمن الصفقة، لكن غيابها يكشف الكثير.
هذا الاختبار هو الأوضح، وهو الذي لا يقبل الالتفاف: اطلب أن تعاين الوحدة قبل أي دفعة. المالك الذي يملك وحدة حقيقية غالباً يرحّب بالمعاينة، لأنه يريد بيعها. أما من يرفض المعاينة، أو يشترط أن تدفع أولاً ثم تزور لاحقاً، أو يقترح أن يرسل صوراً فقط، فهذا يستحق التوقف.
وإذا تمت المعاينة، فلا تنظر إلى الوحدة وحدها. انظر إلى المبنى ومدخله، واسأل الجيران إن أمكن عن الحي وعن علاقة السكان بالمالك. هذه الخطوات البسيطة تكشف أحياناً ما لا تكشفه الأوراق.
الفحص الذي يحمي من الاحتيال لا يحتاج إلى خبرة قانونية معقدة. يحتاج فقط إلى أن تصر على ثلاثة أشياء: أن تعرف من يبيع بالاسم، وأن ترى ما يثبت ملكيته أو توكيله، وأن تعاين المكان قبل أن تدفع. أي صفقة تصمد أمام هذه الأسئلة الثلاثة تستحق أن تنتقل إلى الخطوات التالية، أما التي لا تصمد فالأفضل أن تتركها مهما بدا السعر مغرياً.
