الليل عندك، والكمبوند على بعد بلد كامل، ولا أحد يمشي الموقع نيابة عنك. هذه هي الحالة التي يعيشها كثير من الناس اليوم: يريدون شراء وحدة في الساحل أو في عاصمة جديدة أو في مدينة لم يزوروها من قبل، ولا يملكون الوقت ولا المال لتجربة كل مشروع بنفسهم. الحل المتاح هو أن يتحول الهاتف إلى مكتب بحث كامل، شرط أن تعرف ما الذي تبحث عنه وكيف تقارن.
كثير من المشروعات تكتب إعلاناتها بالعربية، وبعضها يكتب تفاصيله الهندسية والقانونية بالإنجليزية، خاصة المشروعات التي يسوّق لها مطوّرون من خارج البلد. لذلك لا تكتفِ بكلمة واحدة. ابحث عن اسم المدينة مع كلمات مثل "مقدم" و"أقساط" و"تسليم"، ثم كرر البحث بالإنجليزية بكلمات مثل "down payment" و"installments" و"handover date". ستجد أحياناً معلومات موجودة في نسخة ولا تظهر في الأخرى، وهذه الفجوة وحدها تكشف كثيراً عن جدية المطوّر في الإفصاح.
السعر المعلن لا يخبرك بالكثير إذا لم تضعه بجانب المقدم والأقساط. اكتب لكل مشروع خمسة أرقام: سعر الوحدة الإجمالي، نسبة المقدم أو قيمته، عدد الأقساط ومدتها، قيمة القسط الشهري، وتاريخ التسليم المتوقع. ثم احسب ما تدفعه قبل التسليم فعلياً، لأن المشروع الذي يبدو أرخص قد يطلب مقدماً أعلى أو أقساطاً أقصر تضغط ميزانيتك في السنوات الأولى.
ولا تنسَ أن أقل قسط شهري لا يعني أقل تكلفة للوحدة، فالأقساط الطويلة تحمل أحياناً زيادة تراكمية لا تظهر في الإعلان الأول.
بعد أن تضيق الخيارات إلى مشروعين أو ثلاثة، اكتب قائمة أسئلة قبل أن تتواصل مع المطوّر. اجعل الأسئلة محددة: متى سُجّلت الوحدة باسم المطوّر؟ هل الأرض مملوكة له أم مستأجرة؟ ما الجهة التي تشرف على التسليم؟ ما الإجراء المتبع إذا تأخر التسليم؟ وكيف تنتقل الملكية فعلياً عند السداد الكامل، عبر تنازل رسمي أم عبر توكيل؟ الفرق بين الاثنين كبير، والإجابة الواضحة عنه مؤشر على خبرة المطوّر.
اطلب الإجابات كتابةً إن أمكن. المطوّر الجاد لا يمانع أن تحتفظ بسجل لما قاله، بل يتوقعه.
الشارة أو العلامة التجارية للمطوّر لا تكفي وحدها للاطمئنان. قبل أي دفعة، اطلب إثبات الملكية للأرض والمشروع، وتحقق من أن الجهة التي تبيع الوحدة هي نفسها المالكة أو مفوضة بالبيع بوثيقة موثقة. إذا كان هناك وسيط، اسأل عن عمولته وعمن يدفعها، فالعمولة المخفية قد تضيف تكلفة لا تظهر في السعر المعلن.
التكلفة الحقيقية للوحدة تشمل أكثر من سعرها. أضف رسوم التسجيل، ورسوم الصيانة السنوية، ورسوم الخدمات والأمن، ومصاريف الانتقال إن كانت الوحدة بعيدة عن مكان سكنك الحالي. ثم فكر في الوقت: كم ساعة ستقضي في الطريق كل يوم بين الكمبوند وعملك؟ هذا السؤال يحسم الاختيار أحياناً أكثر من السعر نفسه.
حتى مع أفضل تخطيط، قد تعجز عن السداد في منتصف الطريق. في هذه الحالة يختلف الإلغاء عن التنازل. الإلغاء يعني فسخ العقد وغالباً خسارة جزء من المدفوعات وفق بنوده، أما التنازل فيعني نقل التزامات العقد وحقوقه لطرف آخر يكمل السداد، وهو خيار قد يحفظ ما دفعته كله إن كانت الشروط تسمح به. اقرأ بند الغرامة قبل كل قسط، واعرف بالضبط ما الذي تخسره في كل حالة.
البحث العقاري من الهاتف ممكن ومفيد، لكنه يحتاج إلى منهج: ابحث بلغتين، قارن الأرقام كاملة، اكتب أسئلتك، تحقق من الملكية قبل الدفع، واحسب التكلفة الحقيقية. عندها لن يكون غياب المسافة عائقاً، بل مجرد معلومة تعرف كيف تتعامل معها.
