يُقال لك الرقم كأنه سعر ثابت لا يُناقش: مبلغ التنازل عن الوحدة، أو رسم النقل، أو نسبة العمولة التي "جرت العادة" أن يدفعها المشتري. ثم تسمع الجملة التي تُغلق الباب: "هكذا يتم الأمر عندنا." لكن هذه الجملة تخلط بين شيئين مختلفين، وأول خطوة في فهم أي صفقة عقارية أن تفصل بينهما: النص القانوني من جهة، والعادة المتداولة من جهة أخرى.
النص أولاً. المادة 193 من القانون التجاري، كما تُقرأ في صيغتها، تحدد ما يلتزم به كل طرف في العلاقة التي تنظمها، وتحدد ما لا يُلزم به أحدهما. وقد يكون النص أضيق مما يفترضه الناس حين يتحدثون عن "الحق" أو "الواجب". أي أن ما يُقال لك في المكتب أو في المجموعة الهاتفية قد يتجاوز ما يقوله القانون صراحة. هذا لا يعني أن العادة باطلة، بل يعني أنها ليست نصاً، ولا يجوز أن تُعامل كنص.
الآن فصل العادة عن النص. العادة في سوق العقار تتشكل من تكرار الممارسة: من يدفع رسم التسجيل، من يتحمل أتعاب الكاتب، من يسلّم المفاتيح أولاً، ومتى تُدفع الدفعة الأخيرة. هذه الأمور قد تكون متفقاً عليها بين الأطراف، وقد تكون مجرد "المعتاد". والفرق مهم، لأن العادة تُلزمك فقط إن قبلتها صراحة، أو إن سكت العقد عن الأمر فاحتكم الطرفان إليها. أما إن كان العقد مكتوباً ويقول شيئاً مخالفاً، فالكلمة للعقد.
وهنا يأتي السؤال الذي تكتبه لنفسك قبل أي معاينة، وقبل أن يبدأ البائع أو الوسيط بالحديث عن المزايا: من يدفع لمن؟
هذا السؤال يبدو بسيطاً، لكنه يكشف أغلب الالتباسات. ادفع إلى من بالضبط: إلى المالك الذي يملك الوحدة فعلاً، أم إلى شخص يتصرف نيابةً عنه بتوكيل، أم إلى وسيط لا يملك شيئاً ويأخذ عمولة؟ وعلى أي حساب، وبأي وسيلة دفع، ومقابل أي مستند؟ إذا لم تستطع أن تجيب عن هذه الأسئلة بجملة واضحة مكتوبة، فأنت لا تعرف بعد لمن ستدفع.
ثم تأتي المعاينة. كثيرون يعاينون الوحدة أولاً، ويُعجبهم الارتفاع والإطلالة وتشطيب المطبخ، ثم يكتشفون متأخرين أن الدفعة الأولى قد سُلّمت لشخص لا تربطه بالوحدة أي وثيقة. الترتيب الصحيح معكوس: قبل أن تُعجب بالمكان، اعرف من يحق له بيعه، وما الذي يُسجَّل باسمك بعد الدفع، ومتى.
خذ مثالاً بسيطاً. رجل يتفق على شراء وحدة من شخص يقول إنه المالك، ويدفع مبلغ الحجز نقداً بعد معاينة ممتازة. بعد أسابيع يتبين أن المالك الأصلي توفي وأن الورثة لم يوقّعوا شيئاً، أو أن الوحدة مرهونة لبنك. النص القانوني هنا واضح في أن الحق لا ينتقل إلا بالإجراء الصحيح، لكن الرجل لم يسأل السؤال في وقته. لو سأل: من يدفع لمن؟ ولماذا لا أدفع إلا بعد أن أرى سند الملكية باسم البائع؟ لوفّر على نفسه الكثير.
لا تحتاج أن تكون محامياً لتطرح هذه الأسئلة. تحتاج فقط أن تعامل كل رقم وكل عبارة "هكذا تجري العادة" كشيء يُفحص، لا كشيء يُقبل. اطلب النص مكتوباً، واقرأ المادة التي يستند إليها، وقارن بين ما تقوله العادة وما يقوله العقد، واسأل قبل أن تدفع.
الرقم الذي يُقال لك ليس بالضرورة خطأ، لكنه ليس بالضرورة صحيحاً أيضاً. الفرق بين الاثنين هو ما تملكه أنت حين تقرأ.
